سياسة جريدة الجمهورية

«كالعهن المنفوش»

العهن» هو الصوف المصبوغ بألوان مختلفة، و«المنفوش» ما تفرّقت أجزاؤه وتطايرت شعراته حتى فقد تماسكه. وفى القرآن الكريم يأتى التعبير فى سياق أهوال يوم القيامة: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ). ولست هنا أقارن بين مشهد القيامة وما يجرى فى عالمنا؛ فلهذا المشهد جلاله الذى لا يبلغه وصف. لكننى...

«كالعهن المنفوش»
24 مشاهدة

اقرأ من المصدر

جريدة الجمهورية

زيارة المصدر

العهن» هو الصوف المصبوغ بألوان مختلفة، و«المنفوش» ما تفرّقت أجزاؤه وتطايرت شعراته حتى فقد تماسكه. وفى القرآن الكريم يأتى التعبير فى سياق أهوال يوم القيامة: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ). ولست هنا أقارن بين مشهد القيامة وما يجرى فى عالمنا؛ فلهذا المشهد جلاله الذى لا يبلغه وصف. لكننى أستعير من الصورة معنى التفتت بعد الرسوخ، والضعف بعد أن كانت العين لا ترى سوى القوة والثبات.

أنظر حولى فأرى عالمًا تتراخى فيه الروابط التى ظنناها محكمة. مؤسسات دولية ترفع شعارات كبري، ثم تقف عاجزة حين يحين امتحان تلك الشعارات. قواعد تُطبَّق هنا ويُتغاضى عنها هناك، وحقوق تُعلَن على المنابر ثم تَضيع عند أبواب المصالح. قد لا نعرف دائمًا من يحرّك كل خيط فى هذا المشهد، لكننا نرى آثاره واضحة: اضطراب يتسع، وثقة تتآكل، وشعوب تسأل عمن يحميها إذا انهارت المظلات التى احتمت بها طويلاً.

وحين انتقل ببصرى إلى عالمنا العربي، يصبح السؤال أشد إيلامًا. كيف وصلنا إلى هذا القدر من الانقسام؟ كيف غابت الدولة فى بعض العواصم، وتفككت جيوش وطنية، وارتقت ميليشيات إلى مواقع لم يكن أحد يتصور أن تحتلها؟ بالأمس القريب كنا نتباهى بقوى عربية نراها صخورًا راسيات، ونتحدث عن أمن عربى يحمى حدوده ومصالحه. ثم رأينا الصخرة تتشقق، ورأينا الفراغ يجذب إليه كل طامع ومغامر، حتى صار إصلاح ما انكسر أعقد من منع الكسر نفسه.

ليس أخطر ما فى المشهد سقوط مؤسسة أو تراجع قوة، وإنما اعتياد الناس على ذلك. أن تصبح أخبار انهيار الدول مادة عابرة بين خبر رياضى وصورة ساخرة؛ وأن نتابع تفكك جيش وتهجير شعب وكأننا نشاهد فيلمًا نعرف سلفًا أنه سينتهى بانطفاء الشاشة. لكن الشاشة لا تنطفئ هنا، والخراب لا يبقى محصورًا فى حدود أصحابه. ما يسقط فى عاصمة عربية يترك أثره، عاجلاً أو آجلاً، فى عواصم أخري.

أسأل نفسي: ما الذى يفتت الأمم؟ هل هو الخارج المتربص وحده؟ لا أظن. فالخارج يجد طريقه حين يفتح له الداخل الأبواب. وحين تنقسم النخبة، ويضعف الاقتصاد، وتصبح العصبية أعلى صوتًا من فكرة الدولة، لا يحتاج الجبل إلى من يقتلع جذوره؛ تكفيه الشقوق التى أهملها أهله حتى اتسعت. وقد يبدأ الأمر بخلاف يبدو صغيرًا، أو بمؤسسة تفقد هيبتها، أو بخطاب يجعل الشقيق عدوًا. ثم نفاجأ بأن ما حسبناه عارضًا قد صار واقعًا يصعب الرجوع عنه.

لهذا أتوقف طويلاً عند صورة «العهن المنفوش». إنها توقظ فى النفس سؤالاً لا أحب الهروب منه: هل نفعل ما يكفى حتى نحفظ تماسك مجتمعاتنا؟ الدولة لا تصونها الشعارات وحدها، ولا يحميها تمجيد الماضي. تصونها مؤسسات قوية وعادلة، وجيوش وطنية، واقتصادات قادرة على الصمود، ومواطنون يعرفون أن خلافهم، مهما اشتد، لا يجوز أن يتحول إلى معول يهدم البيت فوق رؤوس الجميع.

وربما كان علينا أن ننظر أيضًا إلى ما يجرى داخل مجتمعاتنا: إلى اللغة التى نتخاطب بها، والثقة بين المواطن ومؤسساته، والطريقة التى نربى بها أبناءنا على الانتماء دون أن نصادر حقهم فى السؤال. فالتماسك لا يُفرض بأمر، ولا يولد من الخوف؛ إنه يُبنى كل يوم بالعدل والعمل والصدق وتحمل المسؤولية. وإذا تركنا هذه الخيوط تنقطع واحدًا بعد آخر، فلن ينفعنا يومها أن نتذكر كيف كان شكل النسيج قبل أن يتمزق.

أكتب هذا وفى ذهنى قضايا كثيرة من واقعنا المحلي، لها حديث آخر. أما الآن فأقول: إن الخطر لا يبدأ يوم يتناثر الجبل، بل يوم نرى أول حجر يسقط فنشيح بوجوهنا عنه. فلننتبه إلى الشقوق، ولنصلح ما نستطيع إصلاحه، حتى لا نصحو ذات يوم فنجد ما حسبناه راسخًا قد أصبح كالعهن المنفوش

مقالات ذات صلة